الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
230
شرح ديوان ابن الفارض
فإنه أدمج في شكايته من بري عظامه شكايته من ذهاب نومه من جفنه ومن ذهاب قوته من بدنه . وأشار إلى أن جفنه مشتاق لنومه كما أنه هو مشتاق لمحبوبه ، ولكن شوقه هو ضعف ذينك الشوقين . وفي البيت المقابلة بين الضّعف والضّعف ، وبين أعظمي وأعظم . ( ن ) : ضعف الشيء بالكسر مثلاه أو ثلاثة أمثاله ، يعني أن الشوق الذي نحت عظامي وبراها مقدار الشوق الذي في جفني لنومي مرتين أو أكثر ، ومقدار الشوق الذي في ضعفي لقوّتي مرتين أيضا أو أكثر ، وفي ذلك إخبار أن جفنه لا نوم له وهو مشتاق إلى النوم غاية الاشتياق وأن ضعفه وعجزه ومرضه الكائن فيه مشتاق إلى القوة غاية الاشتياق ، وهذا كله شكوى الحال لتطويل المناجاة مع الحبيب المتعال . اه . وأنحلني سقم له بجفونكم غرام التياعي بالفؤاد وحرقتي [ الاعراب ] « أنحلني » : أي صيّرني نحيلا مهزولا . والالتياع : الاحتراق من الهمّ . و « له » : خبر مقدّم . و « غرام التياعي » : مبتدأ مؤخر . و « بالفؤاد » : حال من المضاف إليه ، إذ المضاف بالنسبة إليه كالجزء . و « حرقتي » : معطوف على غرام التياعي . وقوله « بجفونكم » حال من الهاء في له . والمعنى : أن عندي سقما أنحلني ، وفي جفونكم سقم لأجله حصل احتراقي من الهمّ . فإن قلت : كيف يكون السقم الذي أنحله موجودا في جفونهم والحال أن السقم الذي ينحل غير السقم الذي يجمّل ، والضمير إنما يرجع إلى السقم الذي ينحل . قلت : الظاهر أن الضمير عائد إلى السقم بقطع النظر عن كونه ينحل ، أي السقم من حيث هو إذا استقر بجفونكم فهو سبب احتراقي ، فالسقم في بدني يوجب النّحول ، وفي جفونكم سبب الجمال الموجب للغرام وللحرقة . وما ألطف قول من قال : أخذت حبة قلبي * فصغتها لك خالا فقد كستني نحولا * كما كستك جمالا ( ن ) : قوله بجفونكم جمع جفن وهو غطاء العين كناية عن صور المخلوقات المحسوسة والمعقولة ، فإن كل صورة من ذلك غطاء على العين الإلهية من التجلّي بكل اسم من الأسماء الحسنى وسقم تلك الجفون هو زيادة ضعف المخلوق ، كما قال تعالى : وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً [ النّساء : الآية 28 ] ، وقال : لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا [ البقرة : الآية 264 ] . وهذا الضعف فيهم من جملة الجمال الإلهي الظاهر في الأكوان . اه .